صديق الحسيني القنوجي البخاري

159

فتح البيان في مقاصد القرآن

الأولى وهو أهدى عليه ، وقيل : لا حاجة إلى ذلك لأن « من » الثانية معطوف على « من » الأولى عطف المفرد على المفرد كقولك : أزيد قائم أم عمرو ، ووحد الخبر لأن أم لأحد الشيئين . قُلْ لهم يا أشرف الخلق مذكرا لهم بما دفع عنه المولى من المفاسد ، وجمع لهم من المصالح ليرجعوا إليه ولا يعولوا في حال من الأحوال إلا عليه هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ إنشاء بديعا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ لتسمعوا به آيات اللّه وتتمسكوا بما فيها من الأوامر والنواهي وتتعظوا بموعظها . وَالْأَبْصارَ لتبصروا بها الآيات التكوينية الشاهدة بشؤون اللّه عز وجل ، ووجه إفراد السمع مع جمع الأبصار أنه مصدر يطلق على الكثير والقليل ، وقد قدمنا بيان هذا في مواضع مع زيادة البيان . وَالْأَفْئِدَةَ لتفكروا بها في مخلوقات اللّه وآياته التنزيلية والتكوينية وترتقوا في معارج الإيمان والطاعة ، وخصها بالذكر لأنها آلات العلم ، وذكر اللّه سبحانه ههنا أنه قد جعل لهم ما يدركون به المسموعات والمبصرات والمعقولات إيضاحا للحجة وقطعا للمعذرة وذما لهم على عدم شكر نعم اللّه ولهذا قال : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ أي باستعمال هذه الحواس فيما خلقت لأجله من الأمور المذكورة وقليلا نعت لمحذوف « وما » مزيدة لتأكيد التقليل أي شكرا قليلا أو زمانا قليلا فالقلة على ظاهرها وقيل أراد بقلة الشكر عدم وجوده منهم إن كان الخطاب للكفرة ، قال مقاتل : يعني أنكم لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه . وعن ابن عباس قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه وليقرأ هذه الآية هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ إلى قوله تَشْكُرُونَ أخرجه الخطيب في تاريخه وابن النجار . و « عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه ويقرأ هاتين الآيتين سبع مرات وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ [ الأنعام : 98 ] إلى قوله : يَفْقَهُونَ [ النساء : 78 ] و هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ إلى تَشْكُرُونَ فإنه يبرأ بإذن اللّه » أخرجه الدارقطني في الأفراد . قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ أمر اللّه سبحانه رسوله صلى اللّه عليه وسلم بأن يخبرهم أن اللّه هو الذي خلقهم في الأرض ونشرهم فيها وفرقهم على ظهرها وبثهم وأنشأهم بعد ما كانوا كالذر ، وأن حشرهم إليه للجزاء لا إلى غيره اشتراكا أو استقلالا فليبنوا أمورهم على ذلك . ثم ذكر سبحانه أنهم يستعجلون العذاب فقال : وَيَقُولُونَ من فرط عتوهم